الثقافة والدولة

محمدابوالقاسم


تقوم العولمة الثقافية على تكريس النموذج الثقافي الغربي الرأسمالي في محاولة لتنميط المجتمعات وفق ثقافة معينة تقدم نفسها كقيم كونية تسعى للحلول محل الثقافة المحلية، في تجاوز للحدود التي أقامتها الشعوب والهويات لتحمي كيانها، بخصائصه التاريخية والقومية والسياسية، راسمة حدودا أخرى مختلفة عن الحدود الوطنية، مستخدمة في ذلك شبكات الهيمنة العالمية على الاقتصاد والثقافة والأذواق، مما يخلق وطنا جديدا بعيدا عن الجغرافيا والتاريخ، وطن بدون حدود وبدون ذاكرة، وطن تبنيه الامبراطوريات الإعلامية وشبكات التواصل، فالعولمة بهذا المفهوم هي مرادف للهيمنة و التسلط. هنا يأتي دور الدولة فبالقدر الذي نتحدث فيه عن التقارب بين الثقافات، لابد أن نعترف بالتمايز والخصوصية، ونؤكد الحدود بين هوية وأخرى. وفي هذا الإطار تظل الدولة مهمة للمشاركة في الحوار المتصل بين الثقافة الوطنية والثقافات الأخرى، والمحافظة على الثقافة والهوية الوطنية، والحيلولة دون اختفائها. لذلك نجد الدول –فرنسا نموذجا- تولي أهمية خاصة للسياسات الثقافية وتخصص لذلك كافة الوسائل والإمكانيات، جاعلة إشعاعها الثقافي أحد أهم أولويات سياستها الخارجية، من خلال إنشائها لمراكز ثقافية خارج الحدود ومن خلال منظمة الفرانكوفونية الدولية كمؤسسة تخصص لها ميزانية ضخمة، لتجعل من اللغة الفرنسية قناة للحفاظ على الهوية الثقافية الفرنسية في مواجهة المد الأنجلوساكسوني ونشر هذه الثقافة خارج الحدود، مقدمة بذلك تصورها عن التقارب بين الثقافات. إلا أن الثقافة -حسب الدكتور محمد عابد الجابري- هي المعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية للأمة وعن تصوراتها وتطلعاتها، ونتيجة لهذا لا يمكن أن توجد ثقافة عالمية واحدة، وليس من المحتمل أن توجد مستقبلا، وإنما هناك ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية أو موجهة على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة. فتميل إلى الانغلاق والانكماش تارة، وإلى الانتشار والتوسع تارة أخرى. إن الهوية الثقافية ليست معطى جاهزا ونهائيا، فهي كيان يتطور بالتجارب والنجاحات والإحباطات والتطلعات، ويغتني بالتفاعل سلبا وإيجابا مع الهويات الثقافية الأخرى.